عبد الملك الجويني

51

نهاية المطلب في دراية المذهب

ولو كان في أسفل الجبل حيّة تعدو بطبعها أو نمر شرس ضارٍ ، فأهلكه ، يجب الضمان على المُلقي ، والضبط المرعي في ذلك أن ما يعدو بطبعه فيعدو في أوان العدوان لا محالة ، كما يضرى السيف إذا صادف مضْرِبه ؛ ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه : " لو ألقى رجلاً في بيتٍ فيه سباعٌ ضارية ، وافترسته ، التزم القود " . وهذا يبين بأصلٍ وهو أن من أمسك رجلاً حتى [ قطع رجلٌ عنقه ] ( 1 ) فلا ضمان على الممسك ، سواء كان القاتل ممن يضمن أو كان ممن لا يضمن كالحربي ، ولو هدّف رجل رجلاً لوثبة أسد يضرى على العدوان بطباعه ، فيجب على المهدِّف الممسك القصاص ، فهذا هو الأصل المعتبر في الباب . ولو كان [ القادّ ] ( 2 ) الواقف في سفح الجبل مجنوناً ، فإن كان على طباع السباع وضراوتها يجب الضمان على الملقي ، وإن لم يكن ضارياً بالقتل ، فالمجنون كالعاقل في إسقاط الضمان على الملقي . 10294 - هذا توجيه القولين ، وفيه التنبيه على أصلٍ ، وهو أن من ألقى إنساناً في مهلكة ، ثم اتفق الهلاك بغير السبب الظاهر ، فإن لم يكن ذلك السبب يعزى إليه اختيار وفعل أصلاً ، فالضمان يجب على الملقي ، وهذا كما لو ألقى رجلاً في بئر عميقة يقصد بالإلقاء فيها الهلاك ، فلما انتهى الملقَى إلى قعر البئر ، فإذا في القعر سكاكينُ منصوبة أو رماحٌ مشرعةٌ ، فجرحته الأسنة والنصول ، فيجب القصاص على الملقي . وإن كان السبب الذي حصل الهلاك به منسوباً إلى فعل حيوان ، فهذا ينقسم إلى ما يفعل بطباعه ضراوةً ، كالسبع يفترس طبعاً ، والحية تلسع . والمنصوص للشافعي وجوبُ القصاص ، وتخريج الربيع أن القصاص لا يجب ، والتقام الحوت أصل هذا الفن ، حيث وقع تصويره . وإن كان الفعل صادراً من ذي اختيار لا يفعل بطبعه ، وإنما يفعل بمشيئته ، فهذا مسألة الشاهق [ والقادّ ] ( 3 ) .

--> ( 1 ) ما بين المعقفين مكان عبارة غير مقروءة ، هكذا : " قطعت رجل محتان " ( انظر صورتها ) . ( 2 ) في الأصل : " العادّ " . ( 3 ) في الأصل : " والغار " .